سفينة المجتمع

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

24052011

مُساهمة 

سفينة المجتمع





سفينة المجتمع


«مثل القائم في حدود الله والواقع فيها كمثل قوم استهموا على سفينة، فصار بعضهم أعلاها وبعضهم أسفلها، فكان الذين في أسفلها إذا استقوا من الماء مروا على من فوقهم، فقالوا: لو أنّا خرقنا في نصيبنا خرقاً، ولم نؤذ من فوقنا! فإن تركوهم وما أرادوا هلكوا جميعاً، وإن أخذوا على أيديهم نجوا، ونجوا جميعاً» [112].

صورة عجيبة تلك التي تتمثل في النفس من قراءة هذا الحديث.. صورة حية شاخصة موحية معبرة.
وإن هناك لجمالاً بديعاً في هذا التشبيه بالسفينة. فالحياة كلها هذه السفينة الماخرة في العباب، لا تكاد تسكن لحظة حتى تضطرب من جديد. ولن يكتب لها السلامة والاستواء فوق الموج المضطرب حتى يكون كل شخص فيها على حذر مما يفعل، ويقظة لما يريد.

والمجتمع كله هذه السفينة.. يركب على ظهرها البر والفاجر، والمتيقظ والغفلان، وهي تحملهم جميعاً لوجهتهم.. ولكنها - وهي محكومة بالموج المضطرب والرياح من جانب، وما يريده لها الربان من جانب - لتتأثر بكل حركة تقع فيها، فتهتز مرة ذات اليمين وتهتز مرة ذات الشمال، وقد تستقيم على الأفق أحياناً أو ترسب أحياناً إلى الأعماق..!

وإن كثيراً من الناس لينسى - في غمرته - هذه الحقيقة. ينسى سفينة المجتمع أو سفينة الحياة.
ينسى. فيخيل إليه أنه ثابت على البر، راكز راسخ لا يضطرب ولا يزول.

ومن أجل ذلك يفجر أو يطغى..

ولو تذكر من استكبر وطغى أنه ليس راكزاً على البر ؛ ليس دائماً في مكانه، ولا خالداً في سطوته، وإنما هي رحلة قصيرة على سفينة الحياة.. لو تذكر ذلك ما استكبر ولا طغى، ولا اغتر بقوته الزائلة عن الحقيقة الخالدة، ولعاد لمصدر القوة الحقيقية في هذا الكون، يستلهم منه الهدى، ويطلب منه الرشاد، ويسير على النهج الذي أمر به وارتضاه للناس.

ولو تذكر من يفجر وينحرف أنه ليس راكزاً على البر، وإنما هو منطلق على العباب.. وأن كل حركة يأتيها تتأثر بها السفينة فتهتز.. لو تذكر ذلك لما ترك نفسه لشهواته ولانحرافاته، ولعمل حساباً لكل خطوة يخطوها وكل حركة يتحركها حرصاً على نجاته هو ونجاة الآخرين..

ولكنها الغفلة السادرة التي تخيم على البشرية.. إلا من آمن واتقى وعرف ربه واهتدى إليه.

والرسول الكريم صلى الله عليه وسلم يدرك هذه الغفلة التي ترين على قلوب الناس، فيحذرهم منها، ويصورها لهم في صور شتى، من أعجبها أبلغها هذه الصورة التي يرسمها هذا الحديث، صورة السفينة الماخرة في العباب..

* * *

حين قال الإقطاعيون لأنفسهم: نملك الأرض وكل من عليها عبيد..
وحين قال الرأسماليون لأنفسهم: نملك المصانع والعمال فيها عبيد..
وحين قال الأباطرة المقدسون: نملك الملك والرعايا عبيد..

وحين قال غيرهم وغيرهم من الظالمين مثل قولتهم، لم تكن غير نتيجة واحدة في كل مرة، غرقت السفينة المخروقة، وغرق من عليها من سادة ومن عبيد!

وانظر في ثورات الأرض المزلزلة التي أطارت الرءوس وأجرت الدماء، وانظر إلى الحروب المدمرة التي تأكل الأخضر واليابس وتسمم الحياة، لم تكن غير نهاية طبيعية للخرق المخروق في السفينة، تتدفق عن طريقه المياه..

* * *

ويقوم شاب مفتون ينجرف في تيار الشهوات، يقول: من يحرِّجُ عليّ فيما أصنع؟ أفعل ما بدا لي، وليس لأحد عليَّ سلطان.
ويتركه الناس!يتركونه يفسق ويفجر، وينشر الفاحشة في المجتمع.

يتركونه خوفاً وطمعاً إن كان من زمرة السادة الأثرياء. أو يتركونه استصغاراً لشأنه واستهتاراً بعواقب الأمور.

وقد يقول في نفسه يبرر فجوره: وهل يمكن أن أؤثر في المجتمع وأنا شخص واحد مفرد الكيان؟ هل أنا إلا قطرة في الخضم؟ فلتكن قطرة سم! فكيف تفسد الخضم؟! هل قبلة في الهواء، أو ضمة مختلسة في الظلام، أو ساعة ممتعة في خلوة، هل هذه يمكن أن تؤثر في المجتمع وتهدم الأخلاق؟!

وإنه لينسى.. والساكتون عليه ينسون..

إنه يتصور نفسه شخصاً واحداً في المجتمع - قطرة واحدة في الخضم - وينسى والناس ينسون أن كل واحد يقول ذلك وهو يلقى القطرة السامة في الخضم.. ولا بد أن تتجمع في النهاية السموم.

بل قد يتبجح الفتى زيادة فيحدث نفسه أو يحدث الناس: وهل أنا وحدي الذي سأصلح المجتمع الفاسد؟ لقد فسد وانتهى الأمر. فهب أنني امتنعت وحدي عن الجريمة واحتملت وحدي اضطراب النفس واحتراق الأعصاب.. فأي جدوى من ذلك وأي نتيجة؟ أحترق في النهاية وحدي ويستمتع الآخرون..!

وقد يكون ذلك حقاً!

ولكنه لم يكن كذلك حين فجر أول فاجر وتركه الناس! حين خرق أول مفتون مكانه في السفينة فلم يأخذوا على يديه. حين ظن أول خارج على المجتمع والأخلاق والتقاليد أنه لن يضر الناس شيئاً، وأنه يخرق مكانه وهو حر فيه..

وحين يصبح حقاً ما يقوله الفتى.. حين يكون المجتمع فاسداً إلى المدى الذي لا يصلحه امتناع فرد، ولا تؤثر فيه نظافة ضمير.. حين ذلك تصدق سنة الله وتصدق كلمة الرسول صلى الله عليه وسلم .. ينهار المجتمع كله، وتغرق السفينة الطافحة بالمياه.

* * *

وتقوم فتاة مستهترة، تتقصع في مشيتها، وتتكسر في حديثها، وتعري ما يحلو لها من جسدها، وتتعرض للشباب تثير فتنة الجنس ونوازع الحيوان.. تقول: من يحرج عليَّ فيما أصنع؟ أفعل ما بدا لي، وليس لأحد عليَّ سلطان.

ويتركها الناس!

وقد تقول لنفسها أو تقول للناس تبرر جريمتها: وأي شيء أصنع؟ هل أقتل نفسي كبتاً وأترهبن؟ أريد أن أنطلق. أريد أن أستمتع بالحياة. هذا حقي! كيف أناله؟ كيف أناله نظيفاً إذا أردت؟ أما ترون كل شيء حولي فسد واشتد به الفساد؟ فإن تطهرت فكيف أعيش؟ كيف أحصل على نصيبي المشروع من متعة القلب ومتعة الجسد ومتعة الحياة؟ وهل أنا التي أفسدت هؤلاء الشبان أم إنهم هم الفاسدون؟ إنهم حيوانات. إنهم ذئاب! إنهم هم يسعون إلى الصيد ويوقعون بكل غرة لا تعرف وسائل الذئاب. فلست بدعاً في المجتمع. ولن أصده أنا عن التيار!

وقد يكون في كلامها شيء من الحقيقة.

ولكنه لم يكن حقيقة يوم فجرت أول فتاة فتركها الناس. حين خرجت أول فتاة مستهترة عابثة تحطم التقاليد وتهزأ بالأخلاق.. يوم خرقت مكانها في السفينة وقالت هو مكاني ولن يضر غيري من الناس.

وحين يصبح ما تقول الفتاة حقاً.. حين يفسد المجتمع إلى المدى الذي تحس الفتاة النظيفة أنها لا تجد نصيبها المشروع من متعة الحياة.. حينئذ تتحقق سنة الله، ويؤذن المجتمع كله بالانهيار.

* * *

ويقوم كاتب يزين الفاحشة ويحسنها للناس، يقول: أنا حر فيما أكتب. أين حرية الرأي؟ أكتب ما بدا لي. وليس لأحد عليَّ سلطان.

ويتركه الناس.

يتركونه يعيث في الأرض فساداً، وينشر السموم في النفوس. يستهترون بأمره، أو يشغلون عنه في زحمة الحياة. ويهزون أكتافهم يقولون: هل نحن به مكلفون؟

ويستفيد ذلك الكاتب.. يستفيد شهرة وثراء، ونفوذاً في بعض الأوساط. ولا عجب في ذلك فتجار المخدرات وتجار الأعراض يصلون إلى الشهرة وإلى الثراء.

ويغري النجاح غيره من الكتاب فينغمسون في تيار الجريمة، ويقولون إنهم تقدميون. يقومون برسالة مقدسة، رسالة القضاء على التقاليد " البالية " والتحضير لمجتمع جديد.

وقد يتبجح كاتب أو صاحب صحيفة يبرر الجريمة لنفسه، أو يبررها للناس.. يقول: ماذا أصنع؟ لقد تسمم الجو كله وصار القراء لا يقبلون على الأدب " الأبيض " والكلام النظيف. لقد تعودوا على الصحف العارية والقصص العارية، والأفكار العارية. ولم يعد يؤثر فيهم غير هذا اللون من الإنتاج. هب أنني أصدرت صحيفة نظيفة فكيف تعيش؟ من يقرؤها؟ كيف تغطى نفقاتها؟ ألا يكون ذلك انتحاراً؟ أو غفلة؟ أو جنوناً لا يقدم عليه عاقل؟ وماذا يصنع كاتب واحد أو صحيفة واحدة في التيار المسموم؟ هل يصنع إلا أن يفشل ويثير بفشله شماتة الشامتين؟!

وقد يكون هذا حقاً!

ولكنه لم يكن كذلك حين خرج أول كاتب يدعو إلى الفاحشة وتركه الناس. يوم هزوا أكتافهم وقالوا: هل نحن به مكلفون؟

وحين تصل الأمور إلى هذا الحد.. يوم يصبح الكاتب النظيف لا يجد الجمهور الذي يقرؤه أو الصحيفة التي تنشر له.. يوم لا تستطيع الصحيفة النظيفة أن تعيش.. يومئذ تكون السفينة قد أثقلت بما فيها من الماء، واضطربت مما فيها من الخروق.. وتتحقق سنة الله في الأرض، ويؤذن المجتمع كله بالانهيار.

ويقوم والد ضعيف الشخصية تحكمه امرأته، أو يحكمه الترف والاسترخاء.. يترك أولاده يعيثون بلا رقابة، يقول: هم أولادي وأنا حر فيهم! أفعل ما بدا لي، وليس لأحد عليَّ سلطان.

ويتركه الناس.. يتركونه تملقاً، أو يتركونه استخفافاً، يقولون: هو في النهاية الخاسر، وما لنا عليه من سبيل.

ويستمتع الأولاد.. يستمتعون بالتحلل من الضوابط والانفلات من القيود.

ويستمتعون بلذة الهبوط!

وهي لا شك متعة للمزاج المنحرف والكيان المقلوب! فمن الثابت أن الكيان الناقص - حين لا يكمّل بالطريق الصالح، ولا يوجه التوجيه السليم - يجنح إلى التكملة من طريق هابط، ويحس " بالنضوج " " والتميز " " والمتعة " من هذا الطريق!

وهذه المتعة تغري غيرهم من الأولاد فينجرفون في الطريق.. يجدون اللذة المنشودة، والنضوج المنحرف، والتميز بين الأقران.. ويروحون يتمردون على أهليهم وينفلتون من القيود.

ويقول الولد لأبيه: أنت رجعي. أنت متأخر. أنت تتجاوز حدودك. من تظنني أمامك. لست طفلاً. أنا رجل مثلك. أنا أتحمل مسئولية نفسي. تريد أن تستعبدني بما تنفق عليَّ؟ كلا! إنك ملزم بالإنفاق. ولكنك لا تملك التدخل في شئوني. أنا أدرى بما يضر وما ينفع. أنا أعيش بعقلية جديدة متحررة متطورة. أنا أفهم ما يدور في المجتمع وأتطلع إلى المستقبل.. إلى الأمام.. فليس لك عليَّ سلطان!

وتقول الفتاة لأبيها وأمها: أين تعيشون! إنكم تعيشون بعقلية الجيل الغابر.. المتأخر.. الرجعي.. أما أنا فأعيش بعقلية متحررة. ماذا تريدون مني؟ هل تظنون أنكم أنتم الرقباء عليَّ إن أردت أن أفسد؟ وأن وصايتكم عليَّ تحميني من السقوط؟ أنا القيّم على نفسي. وأنا الرقيبة على أخلاقي! وليست الأخلاق هي الملابس أو هي العزلة عن المجتمع! ما الذي سيحدث حين أكشف ذراعيّ أو ساقيّ؟ أو أكشف جزءاً من صدري؟ هل ستنقص مني قطعة؟ وماذا سيصنع لي الشبان حين ينظرون إليَّ أو يكلمونني في الطريق؟ هل ستخرب الأرض؟ إنكم تتصورون الأمور بعقلية جامدة لا تفهم " التطور " ولا تفهم الحياة! وعلى أي حال فذلك شأني وحدي. وليس لأحد عليَّ سلطان!

ويشكو الآباء! يشكون أن أبناءهم تمردوا عليهم، ولم يعد في مقدورهم أن يردوهم إلى السبيل! ويقولون إن المجتمع فاسد يفسد عليهم الأولاد!

وقد يكون ذلك حقاً!

ولكنه لم يكن كذلك يوم فسد أول جيل من الأبناء فتركوهم يفسدون!

وحين يحدث ذلك.. حين ينفلت الأولاد بلا ضابط، لا يحكمهم أهلوهم، ولا يحكمهم مدرسوهم في المدرسة، لأن الوالد قد أفسد على المدرس مهمة التوجيه.. حينذاك تتحقق السنة الماضية، وتغرق السفينة وكلها خروق!

* * *

ويقوم طالب يغش في الامتحان، يقول: أصنع ما بدا لي. وليس لأحد عليَّ سلطان.
ويتركه الناس.يتركونه " إشفاقاً على مستقبله "! أو يتركونه استخفافاً بالجريمة.
وينجح الطالب، ويستمتع بهذا النجاح الميسر البسيط التكاليف..
ويغري النجاح غيره.. فيروحون يعبثون العام كله، يتسكعون في الطرقات، ويجرون كالكلاب الشاردة وراء الفتيات.. ثم يسهرون الأسبوع الأخير يحضِّرون " البرشام " من أجل الامتحان.

ويحس الآخرون من الشرفاء أنهم مظلومون! هم يسهرون العام كله في العمل، ثم لا يبلغون - بالجد والأمانة - ما يبلغه الغشاش بغشه، وقد ينجح وهم يرسبون! وقد يصل إلى " الوظيفة " وهم قاعدون!

لا جرم ينصرف أغلبهم عن النشاط العلمي الصادق، وينقلبون إلى مخادعين غشاشين!

ولا جرم تجد بعد ذلك الموظف الذي يذهب في الموعد وينصرف في الموعد - إن شدد عليه في الحضور والانصراف - ولا يعمل عملا طيلة وقت " الديوان "!

ولا جرم تجد المهندس الذي لا يوافق على " مواصفات " البناء أو " المواصفات الصحية " وأنت تؤديها على وجهها الأكمل، ثم يوافق على أقل منها كثيراً إن دسست في يده " المعلوم "!

ولا جرم تجد الطبيب الذي لا يعطيك العلاج الكامل الذي يشفيك من أول مرة، ويروح يطيل العلاج ويطلبك تمر عليه مرة بعد مرة ليزداد منك كسباً، وتكسب معه معامل الأدوية التي " يتعامل " معها أو يكسب الموردون!

كلهم غشاشون!

كلهم ذلك الطالب الأول الذي تركه الناس غافلين.

وحين يصبح الغش هو " العملة " السارية في المجتمع، فلا جرم يذهب المجتمع أسفل سافلين!

ويقوم موظف يرتشي.. يقول: من يحرِّج عليَّ فيما أصنع؟ أفعل ما بدا لي، وليس لأحد عليَّ سلطان.

ويتركه الناس!

يتركونه بدافع الحاجة إلى ما في يده من المصالح، أو بدافع الخوف إن كان من ذوي النفوذ.

ويستفيد ذلك المرتشي.. يستفيد ثروة سهلة المأخذ مضمونة الورود.

ويغري الثراء غيره من الموظفين، فيندفعون في تيار الشهوة ينهلون من هذا المنهل الدنس، ويلغون في دماء المحتاجين.

وتأخذ الموجة مداها.. حتى تصبح الأمور كلها بالرشوة، ومن غيرها توصد الأبواب في وجه أصحاب الحقوق.

وقد يتبجح موظف يبرر الجريمة لنفسه أو يبررها للناس، يقول: هل أنا وحدي الذي أرتشي؟ هل أنا وحدي الذي أشيع الفساد.. فهل تنتظم مصالح الناس كلها، وتفتح لهم الأبواب؟ كل ما يحدث أنني أحرم نفسي من المعين المتاح، وأظل فقيراً وأنا رب أسرة وصاحب عيال.

وقد يكون هذا حقاً..

ولكنه لم يكن كذلك حين بدأت الرشوة أول مرة وسكت عنها الناس، أو شجعوها وأغروا بها المرتشين.

وحين تصل الأمور إلى هذا الحد.. حين تصبح الرشوة هي الأصل والنظافة هي الشذوذ.. حينذاك تقع الهزة التي تزلزل المجتمع كله من القواعد، فلا يلبث أن يتهاوى إلى القرار..

* * *

صدق رسول الله. وصدقت حكمته: «ما أسكر كثيره فقليله حرام..»«مروا بالمعروف وأنهوا عن المنكر قبل أن تدعو فلا أجيب..» .

إن حديث السفينة يجمع ما في الحديثين السابقين، ولكنه يضيف إليهما معاني أخرى جديرة بالتدبر والتفكير..

وإن أول ما يستلفت النظر في الحديث أن الرسول الكريم لم يقسّم ركاب السفينة بحسب أماكنهم الظاهرية في المجتمع، علواً وسفلا، وثراء وفقراً، وبروزاً وتواضعاً.. لم يجعل " السادة " هم الأعلون و " الشعب " هو الأسفل. كلا. فما كانت هذه القيم هي التي تقسم الناس عند رسول ينطق بحكمة الله ويبلغ رسالة الله.

إن الأعلى في تقدير الله ورسوله " هو القائم في حدود الله ". هو المنفذ لشريعة الله. هو المهتدي بهدي الله. أياًّ كان مكانه الظاهري في المجتمع. فالقوة الحقيقية لا تستمد من عرض الأرض، ولا من القيم الأرضية المنقطعة عن الله. إنما تستمد من الله. من الإيمان به والاعتزاز بهذا الإيمان. ﴿وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ فالإيمان هو القوة الحقة، وهو مصدر " العلو " ومصدر التوجيه. وكل قيمة سواه زائفة لا تلبث أن تضيع.

أما " الواقع فيها " فهم العصاة المنحرفون في كل جانب من جوانب العصيان والانحراف، بصرف النظر عن مركزهم " الظاهري " في المجتمع. فهذا المركز لا يساوي شيئاً، ولا يقي من الله شيئاً حين يؤدي إلى الميل عن الطريق. بل إنه لا يساوي شيئاً في واقع الأرض، ولا يقي من النتيجة المحتومة حين يأذن الله بتحقيق السنة في أوانها المعلوم! فحين تغرق السفينة من شدة الفساد لا يقول السادة للشعب: اغرقوا أنتم وحدكم ونحن ناجون من الهلاك!

وحين يطلب الرسول من القائمين في حدود الله أن يأخذوا على يد الواقعين فيها لا يحدد مهمتهم بمراكزهم الظاهرية في المجتمع، وإنما بأماكنهم الحقة في سفينة المجتمع وسفينة الحياة، فما داموا مؤمنين فهم القوة الحقة. القوة الموجهة. القوة الآخذة على أيدي العابثين. وهذه مهمتهم، عليهم أن يعرفوها بصرف النظر عن ثرائهم أو فققرهم، ورئاستهم أو مرءوسيتهم.. فما بهذا توزن الأمور..

* * *

والأمر الثاني هو وحدة المصلحة في المجتمع، وإن بدت المصالح ظاهرة الخلاف!

إن كل الأمثلة التي أوردناها حول محور واحد، مستمد من معنى حديث الرسول صلى الله عليه وسلم. فهؤلاء قوم لهم " مصالح قريبة " يستنفعون منها على حساب الآخرين. ولو تركهم المجتمع حقبة من الزمن فسوف يستفيدون حتماً من هذا السكون. يستفيدون توفير الجهد، وتوفير مغالبة الشهوات. ويأتيهم رزقهم قريباً سهلا ميسراً لا يتعبون فيه.

ولكن حقبة من الزمن تمضي - طويلة أو قصيرة - ثم يأخذ الفساد في الانتشار وتبدأ السفينة في نهاية المطاف.. تغرق وتأخذ معها الظالمين والمظلومين على السواء! ومن ثم فالمصالح النهائية واحدة. والأخطار النهائية واحدة.. ليست هناك مصلحة لفرد هي مصلحته وحده وشأنه بمفرده. كل مصلحة هي مصلحتهم جميعاً وكل ضرر يصيبهم جميعاً.. ولا يستطيع أحد أن يتخلى عن مسئوليته في هذا السبيل.

وهنا تبرز بعض الحيرة إزاء الآية الكريمة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ [113]. وهي حيرة وقع فيها المسلمون الأوائل أنفسهم فقام أبو بكر رضي الله عنه ينبههم إلى طريق الصواب.
قال: يأيها الناس إنكم تقرءون هذه الآية.. وإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إن الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه أوشك أن يعمهم الله بعقاب من عنده» (رواه أبو داود والترمذي).

نعم " عليكم أنفسكم " عليكم المجتمع الذي تعيشون فيه. وليس عليكم غيركم من المجتمعات أو الأفراد غير المسلمين. فهؤلاء لا يضرونكم متى اهتديتم وعملتم بما يريده الله. أما الأعمال التي يقوم بها المسلمون في المجتمع المسلم فليس حكمها كذلك. إنها مسألة حياة أو موت بالنسبة لهذا المجتمع. فإما أن يحس بوحدة المصلحة فيأخذ على يد الظالم - من أي نوع كان ظلمه ؛ لنفسه أو للآخرين - فينجو المجتمع كله، وإما أن يترك الأمر خوفاً وطمعاً أو استهتاراً وتهاوناً.. فتحدث الطامة التي تغرق الجميع.

* * *

ومن وحدة المصلحة ينشأ الترابط بين أفراد المجتمع ترابطاً لا يتخلخل ولا تنقطع عراه. إنهم ركاب سفينة واحدة، ناجية أو غارقة، فكيف يمكن ان ينفصل بعضهم عن بعض أو يتجاهل بعضهم وجود بعض؟

وإنه - وهو ترابط المصلحة الواحدة التي يلتقي عندها الجميع - لهو في الوقت ذاته ترابط الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والإيمان بالله. ترابط التعاون على البر والتقوى وليس ترابط التعاون على الإثم والعدوان.

ترابط لا يقول فيه إنسان: ما شأني أنا بفلان، فليصنع ما يشاء ولن أتدخل في أمره!

ولا يقول فيه إنسان لآخر: ما شأنك بي! سأصنع ما أشاء ولا تتدخل في أمري!

كلا! إن أمور المجتمع لا يمكن أن تستقيم كذلك.. لا بد من يقظة كل فرد لأعمال أخيه، ولا بد من رده عن الخطأ والإسراف فيه.

وليس معنى ذلك أن يتحول المجتمع إلى منازعات ومشاحنات!كلا! فليس هذا هو الطريق!

﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ [114] ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾ [115].

هذا هو الطريق..

إن الترابط هو ترابط الحب. لا البغضاء.

وإن النصيحة لتصدر من هذا المنبع العذب. أنا أنصح أخي لأنني أحبه. لأنني أريد له الخير. لأنني أريد أن آخذ بحجزه أن يقع في النار! وهو يتقبل مني النصيحة على هذا الوضع.. لأنه يحبني ويثق في نظافة النصح والتوجيه.

أما " الأخذ على اليد " بما تحمله من معنى الزجر أو العنف فليست أول الطريق!
إنما هي النهاية حين تفشل الوسائل كلها ولا يتبقى غير هذا الطريق!

ورب قائل أن يقول - عن إخلاص نية - مقالة الفتى المستهتر أو الفتاة الهوجاء:

وهل أنا وحدي سأصلح المجتمع. هل أنا - حين أومن وأعمل صالحاً - سأنقذ السفينة الهاوية إلى القرار!

كلا!

فحين توجد في مجتمع يوشك أن يتحطم، في سفينة توشك على الهلاك، فلن تقفها وحدك عن النهاية المحتومة، ولن تنقذها وحدك من الهلاك.

نعم. ولكنك تنقذ نفسك!

فحتى حين تتحقق السنة التي لا تتخلف.. حتى حين ينفذ الوعد الحق وتتحطم السفينة.

حتى حينئذ.. فشتان بين غريق وغريق!

غريق في جهنم لأنه فاجر.

وغريق في الجنة لأنه شهيد.

فمن ذا الذي يبيع الآخرة بالدنيا، ويسعى إلى النار - وهو يغرق - في حين يملك - حتى وهو يغرق - أن يسعى إلى النعيم؟!



dahmani mohamed
ادارة الشفاء
ادارة الشفاء

الجنس : ذكر
عدد المساهمات : 5800
الأختصاص : mrx
تاريخ التسجيل : 17/04/2011
الأقامة : بشار .مكان العمل مستشفى ادرار
الأوسمة :

يسر ادارة منتديات "الشفاء" منحكم هذه الأوسمة تقديرا لجهودكم المبدولة لمساعدة الأخرين و تحسين مستوى المنتدى .

بارك الله فيكم


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

مُشاطرة هذه المقالة على: Excite BookmarksDiggRedditDel.icio.usGoogleLiveSlashdotNetscapeTechnoratiStumbleUponNewsvineFurlYahooSmarking

سفينة المجتمع :: تعاليق

مُساهمة في الأربعاء 25 مايو 2011 - 4:18 من طرف نسيمة

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

مُساهمة في الأربعاء 25 مايو 2011 - 9:12 من طرف سعاد

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

مُساهمة في الأربعاء 25 مايو 2011 - 13:48 من طرف dahmani mohamed

واياكم

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى